عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
279
اللباب في علوم الكتاب
والإنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » « 1 » . فإن قيل : إنّ القرآن نزل على محمّد صلى اللّه عليه وسلم في مدّة ثلاث وعشرين سنة منجّما مبعّضا ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان ؟ فالجواب من وجهين : الأول : أنّ القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا ، ثمّ نزل إلى الأرض نجوما . روى مقسّم عن ابن عبّاس « 2 » أنه سئل عن قوله عزّ وجلّ : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] ، وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ الدخان : 3 ] وقد نزل في سائر الشّهور ، وقال عزّ وجلّ : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [ الإسراء : 106 ] فقال : أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزّة في السماء الدّنيا ، ثم نزل به جبريل - عليه السّلام - على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة « 3 » ، فذلك قوله : * فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [ الواقعة : 75 ] وقال داود بن أبي هند : قلت للشّعبيّ : « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » أما كان ينزل في سائر السنّة ؟ قال : بلى ، ولكن جبريل كان يعارض محمّدا صلى اللّه عليه وسلم في رمضان ما أنزل اللّه إليه فيحكم اللّه ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ، وينسيه ما يشاء « 4 » . وروي عن أبي ذرّ ، عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنزلت صحف إبراهيم في ثلاث ليال مضين من شهر رمضان » « 5 » ويروى : « في أوّل ليلة من رمضان » وأنزلت توراة موسى في ستّ ليال مضين من شهر رمضان ، وأنزل إنجيل عيسى في ثلاث عشرة ليلة من رمضان ، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة مضت من رمضان ، وأنزل الفرقان على محمّد صلى اللّه عليه وسلم لأربع وعشرين خلت من رمضان ، ولستّ بقين بعدها « 6 » ، وسنذكر الحكمة في إنزاله منجما مفرّقا في سورة « الفرقان » عند قوله : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 4 / 72 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 151 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 445 ) من حديث ابن عباس موقوفا . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 151 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 151 . ( 6 ) أخرجه أحمد ( 17051 - شاكر ) والطبري في « تفسيره » ( 3 / 446 ) والطبراني في « الكبير » والأوسط كما في « مجمع الزوائد » ( 1 / 201 ) وقال : وفيه عمران بن داود القطان ضعفه يحيى ووثقه ابن حبان وقال أحمد : أرجو أن يكون صالح الحديث وبقية رجاله ثقات . والحديث ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 342 ) وزاد نسبته لمحمد بن نصر وابن أبي حاتم والبيهقي في « الشعب » والأصبهاني في « الترغيب » .